ابن الأثير
285
الكامل في التاريخ
عطش قبل خروجه عطشا شديدا ، فطلب له في خزانة الشراب ماء ، فلم يوجد ، فلمّا أمسى ، ليلة الأحد ، لخمس بقين من محرّم سنة ثمان وتسعين ومائة ، خرج بعد العشاء الآخرة إلى صحن الدار ، وعليه ثياب بيض ، وطيلسان أسود ، فأرسل إليه هرثمة : وافيت للميعاد « 1 » لأحملك ، ولكني أرى أن لا تخرج اللّيلة ، فإنّي قد رأيت على الشطّ أمرا قد رابني ، وأخاف أن أغلب ، وتؤخذ من يديّ ، وتذهب نفسك ونفسي ، فأقم اللّيلة ، حتى أستعدّ وآتيك اللّيلة القابلة ، فإن حوربت حاربت دونك . فقال الأمين للرسول : ارجع إليه ، وقل له لا يبرح ، فإنّي خارج إليه الساعة لا محالة ، ولست أقيم إلى غد . وقلق ، وقال : قد تفرّق عني النّاس من الموالي والحرس وغيرهم ، ولا آمن إن انتهى الخبر إلى طاهر أن يدخل عليّ فيأخذني ، ثمّ دعا بابنيه ، فضمّهما إليه ، وقبّلهما ، وبكى ، وقال : أستودعكما اللَّه ، عزّ وجلّ ، ودمعت عيناه ، فمسح دموعه بكمّه ، ثمّ جاء راكبا إلى الشطّ ، فإذا حرّاقة هرثمة ، فصعد إليها . فذكر أحمد بن سلّام ، صاحب المظالم ، قال : كنت مع هرثمة في الحرّاقة ، فلمّا دخلها الأمين قمنا له ، وجثا هرثمة على ركبتيه ، واعتذر إليه من نقرس به ، ثمّ احتضنه ، وضمّه إليه ، وجعله في حجره ، وجعل يقبّل يديه ورجليه وعينيه ، وأمر هرثمة بالحرّاقة أن تدفع ، إذ شدّ علينا أصحاب طاهر في الزواريق ، وعطعطوا ، ونقبوا الحرّاقة ، ورموهم بالآجرّ والنشّاب ، فدخل الماء إلى الحرّاقة ، فغرقت ، وسقط هرثمة إلى الماء ، وسقطنا ، فتعلّق الملّاح بشعر هرثمة فأخرجه ، وأمّا الأمين فإنّه لما سقط إلى الماء شقّ ثيابه وخرج إلى الشطّ ، فأخذني رجل من أصحاب
--> ( 1 ) . P . C